الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
496
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الذكر الحاصل فيه كما ينبغي ، وكما يناسب جلاله تعالى بالنسبة إلى ذلك العضو والأمر ، كما لا يخفى . وممّا ذكر يعلم إجمالا حال الذكر الحضوري فتفصيله : أنّ للذكر صورة وهو الذكر اللفظي ، ومعنى وهو مفهومه التفصيلي القائم بالنفس ، وحقيقة وهو غاية التوجّه بالروح ، واللب إلى المتوجّه إليه الحقّ تعالى ، بحيث يظهر فيه بما هو وجود صرف ، وإنّ كلّ الموجودات منه وبه وإليه ، وأنّه أصل كلّ ظهور ، ونور كلّ نور ، ومعنى كل لبوب وقشور وثابت بلا تغيّر ودثور ، بحيث لا يتمكَّن عند نوره الأبهر ظلمة ولا نور ، وأنّه نور وارد عليه من ذاته المقدّسة تجلَّى فيه به فيعرفه حينئذ هكذا . فهو ( أي هذا النور ) عكس من وجهه الكريم تجلَّت به مرآة قلبه ، وهذا الروح والقلب بما هو كذلك يهتزّ اهتزازا لا يوصف ، ويبتهج ابتهاجا لا يكيّف ، ولا سيّما أنّه يستشعر حينئذ أنّ لهذا الموجود الحقّي معيّة قيومية معه ، فيحلو حينئذ ذكره تعالى بهذا المعنى حلاوة لذيذة ، وتكون حلاوتها بقدر الجمال والجلال ، وهذا النور البهي منه تعالى هو السبب في سروره وابتهاجه ، وبهذا اللحاظ قال عليه السّلام في الدعاء : يا سرور العارفين ، حيث خصّ السرور بالعارف ، وهو من أشهده اللَّه تعالى ذاته وصفاته وأفعاله بنحو يكون في مقام عين اليقين أو حقّ اليقين . فسرور العارف ليس بجنّة النعيم ، كما أنّه كذلك للعابدين ، بل هو وجهه الكريم ، فهم لا فرح لهم إلا بهذا قال تعالى : " يا داود بي فافرح " وكيف كان ليس للعارف همّ إلا همّ وصاله ، ولو فرح بشيء فهو بما هو مرآة لجماله البهي ، فهذا الشهود له مراتب على اختلاف مراتب القرب ، وحينئذ أنّهم عليهم السّلام كما علمت في أعلى مراتب القرب ، بل هم عليهم السّلام في مقام قاب قوسين أو أدنى ، وفي مقام عند اللَّه كما علمت من الآيات والأحاديث ، فلا محالة يكون فرحهم عليهم السّلام وسرورهم لمكان تلك المشاهدة البهيّة بنحو الأتمّ وأشدّ وأحسن .